عبد الكريم الخطيب

547

التفسير القرآنى للقرآن

هو ردّ على هؤلاء المجرمين ، الذين أقسموا هذا القسم ، وأنهم ما لبثوا غير ساعة ، وفي هذا الرد تصحيح لما وهموه من لبثهم في الدنيا . . وهذا التصحيح إنما يجيئهم من أهل العلم والإيمان الذين يقولون لهم : « لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ » . . وكتاب اللّه ، هو علمه الذي حدّد به آجال الناس ، وأزمانهم ، وأودع فيه أعمالهم ، وما هو كائن في هذا الوجود . . وقوله تعالى : « فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ » - هو خبر يراد به التقريع والنّخس لهؤلاء المجرمين ، فهم يعرفون أن هذا اليوم الذي هم فيه هو يوم البعث ، وإخبارهم به هو تذكير لهم بما كان منهم من إنكار له ، وسخرية واستهزاء بمن كانوا يحدّثونهم به ، والذين كانوا يغرسون في الدنيا ليجنوا ثمار ما غرسوا في الآخرة ، وفي ذلك ما يزيد في آلام المكذبين ويضاعف حسرتهم . وفي قوله تعالى : « وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » تقريع بعد تقريع ، ونخسة بعد نخسة ! وفي قرن العلم بالإيمان ، إشارة إلى أن العلم الذي لا يثمر عملا لا قيمة له ، وكثير من الذين أوتوا العلم لا يؤمنون باللّه ، بل تغلب عليهم شقوتهم ، ويصبح العلم الذي علموه حجّة عليهم ، يضاعف لهم به العقاب ، وفي هذا يقول اللّه تعالى في علماء بني إسرائيل : « يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ » ( 71 : آل عمران ) ويقول سبحانه « وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ » ( 144 : البقرة ) ويقول جل شأنه : « أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » ( 75 : البقرة ) . . فالعلم الذي لا يعمل صاحبه بمقتضى ما علم ، هو شؤم على صاحبه ، لأنه لا يهتدى معه إلى